محمد متولي الشعراوي

5935

تفسير الشعراوى

ليعرض الإسلام على أهلها ، لعلّه يلتمس لهم مجيرا من أهل الطائف ؛ ولكنه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يجد إلا الإيذاء والإعراض « 1 » ، ويوصى بعضا من صحابته أن يهاجروا إلى الحبشة « 2 » . وفي ظل كل هذه الأزمات ، ينزل قول القرآن : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ . . ( 45 ) [ القمر ] حتى إن عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - يتساءل : أىّ جمع هذا الذي يهزم ، ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا ؟ ثم تأتى غزوة بدر ويشهد عمر هزيمة وفرار مقاتلى قريش ؛ فيرى رأى العين صدق ما جاء به الوحي من قبل « 3 » . وهكذا تأكد الجميع أن القرآن الكريم غير مفترى ، فكيف يتّهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه افتراه ؟

--> ( 1 ) كان هذا بعد وفاة عمه أبى طالب ، الذي كان مدافعا عنه ، حاميا له من أذى المشركين ، ولكن أهل الطائف قعدوا له صلّى اللّه عليه وسلّم صفين على طريقه ، وجعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا ضربوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه . [ دلائل النبوة للبيهقي 2 / 415 ] . عند ذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتى وقلة حيلتي » . منحه اللّه الإسراء فوق العقل البشرى ، والمعراج فوق الفوق ؛ وذلك لحمايته له ورعايته لدينه . ( 2 ) عن أم سلمة أنها قالت : « لما ضاقت علينا مكة ، وأوذى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم ، وأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يستطيع دفع ذلك عنهم ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في منعة من قومه ومن عمه ، لا يصل إليه شئ مما يكره مما ينال أصحابه ، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده ، فالحقوا ببلاده حتى يجعل اللّه لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه » حديث طويل أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ( 2 / 301 ) وأورده ابن هشام في السيرة بنحوه ( 1 / 321 ) . ( 3 ) عن عكرمة قال : لما نزلت : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) [ القمر ] قال عمر : أىّ جمع يهزم ؟ أي : أىّ جمع يغلب ؟ قال عمر : فلما كان يوم بدر رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يثب في الدرع وهو يقول : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) [ القمر ] فعرفت تأويلها يومئذ . ذكره ابن كثير في تفسيره ( 4 / 266 ) وعزاه لابن أبي حاتم .